كتبت قصتين عن الصبر ..عنونت للأولى بعنوان ( ماااااااذا أريد ؟؟؟؟ ) وسوف أطرحها عليكم ...لديها الزوج الكريم طيب الأخلاق الهادئ اللطيف ، لديها الأبناء فلها أربع من البنات وثلاثة من الأبناء هم أروع من ورد الجوري عند تفتحه ، لديها البيت الكبير المحاط بالحديقة الغناء من حوله ولو قلت قصر فهو كذلك ، لديها الأخوة والأخوات والوالدة الكريمة وأم الزوج المحترمة والحنونة ، لديها الجيران والأهل والأحبة والأصدقاء ، لديها المال والصحة والوجه الحسن ، والكل يغبطها على تلك العيشة المرموقة ، فالجميع يلبون طلباتها ولا يستطيع شخص رفض طلب لها ، فهي الآمرة الناهية سواء في بيتها أم خارجه .نعم كل ذلك عندها وربما بل الأكيد لو كان شخص مكانها لكان أسعد الناس على الأقل من وجهة نظري – أنا – ولكن للأسف وأقولها مرة أخرى للأسف فهي وعلى رأيها دائما أنها أتعس الناس لا أدري من أين جاءت بهذه الفكرة ولكن عقلها الباطني أصبح هو المسيطر عليها كل ذلك من خلال الجمل التي تستخدمها وترددها في حياتها فهي دائما ما تردد عبارات التشاؤم والحزن بل ربما وصل الأمر بها إلى الدعاء على نفسها بالموت والمرض والعمى في كثير من الأحيان .لم تكن نورة كذلك في الماضي فقد كانت طفلة مهذبة محترمة كريمة الأخلاق فتحولت هذه الطفلة إلى مراهقة مثل باقي بنات جنسها ، كانت تحلم بالمال والجاه والسلطة والخدم والحشم من حولها ، كذلك كانت تحلم بالبيت الكبير والأبناء والزوج الصالح الذي دائما ما تقول عنه : أريده مثل أبي ..ولكن هذا الأب الحنون توفي اثر حادث سيارة مروّع ، وهي لم تتجاوز الثامنة عشر من العمر .. عندها تحولت أحلام هذه الشابة إلى كوابيس مزعجة أصبحت تلازمها في حياتها ، وعندما سمعت بخبر وفاة والدها أصيبت بأنهيار عصبي شديد جدا لدرجة أن الأطباء عجزوا عن علاجها فهي لم تدع شيئا تسمع به من الأدوية إلا تناولته ظنا منها أن ذلك هو الحل الأمثل ، أصبحت بطلت قصتي كالمجنونة ، بل أصبح يطلق عليها بعض أقاربها بالمجنونة ، أما الأخرين فيشفقون ويتعاطفون معها .. ولكن حالتها أصبحت تستاء يوما بعد يوم ..تعاطفت معها كباقي الناس ، بل ربما وصل الأمر إلى البكاء والتفكير فيها بالساعات بل ربما يصل الأمر إلى الأيام والأسابيع .. نعم أدرك أن مصابها جلل ولكنها كذلك نسيت أن الله أمر بالصبر ومن صفاته سبحانه الصبور ، كما نسيت قوله تعالى : " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين " ، نعم أوافقها بأن فقدان الأب صعب ولكن عندما يذهب الإنسان لن ترجعه الدموع والبكاء والنحيب .نعم نست هذه الفتاة اللجوء إلى الله والصبر ومثلها كثير ، نعم الجميع يمرون بكثير من الحوادث المؤلمة في حياتنا ولكن ليس بوسعنا سوى الصبر والتقرب إلى الله وشكره في السراء والضراء .فعن أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه قال : قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- : ( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) .فكيف بنا لا نصبر على ما قدره لنا ربنا تبارك وتعالى وهو الأعلم والمتصرف في جميع أمورنا من بداية خلقتنا وحتى نهايتنا وهو الموت ، فكل ما قدرة لنا الله هو خير حتى وإن رأيناه نحن البشر بمنظور آخر .. فكثيرا ما نسمع أن الصبر هو صفة حميدة ، وهو خلق الأنبياء ، ولكن يبدو لي أن التحلّي به شيء صعب جدا .. أين هي نورة الآن ، إنها في بيتها ومع زوجها وأبنائها ولكنها ليست معهم إلاّ بالاسم فقط ، فهي لم تقم يوما بواجب الزوجة تجاه زوجها ، أو بواجب الأم تجاه ابنائها وبناتها ، فالجميع يقولون عنها مهملة ، ولكنها من وجهة نظري كا لصدفة لتي لم تعد تستطيع الخروج قوقعتها وهذه القوقعة هي شبح الماضي المؤلم بالنسبة لها .. فأصبحت الخادمة هي الأم الثانية للأطفال بل ربما اعتبروها أمهم الأولى وأختهم الكبرى والقائمة بجميع شؤون المنزل .. يشتكي خالد وهو زوجها من إهمالها له ولنفسها واطفالها ولكنه مع ذلك لم يتذمر أو يفكر ولو لمجرد التفكير أن يتزوج عليها أو يطلقها ويحرم أطفاله منها ، ولكنه مع ذلك لا يريد شيئا منها سوى بعض الإهتمام بنفسها وزوجها وأبنائها وبيتها هذا هو ما يريده خالد وأبنائه من نورة .. فهل تستطيع أن تحقق له ولأبنائها ما يريدون أم لا ؟؟؟ربما الكثيرون يقولون لا تستطيع لأنه عند فقدان الإنسان للأمل والطموح يشعر بالضعف وعدم المقدرة على شيء وكأن الحياة أصبحت سوداء كسواد الليل ... نعم كذلك هي نورة وكذلك هي حياتها سوداء كسواد الليل الذي بالنسبة لها لا فرق بينه وبين نهارها أو صيفها وشتائها فالكل بالنسبة لها وااحد ..كتب لها سامر وهو ابنها الأكبر البالغ من العمر إحدى وعشرين سنة .. ( أمي العزيزة : لماذا الجميع يذكر بأن أمه فعلت له كذا وكذا ، وأنت لم أرك يوما تفعلين لي أو لأحد اخوتي شيئا ، حتى عندما نخرج ترفضين الخروج معنا وكأنك نسيت أننا أبنائك ونحتاج لك بل نحتاج لكل بسمة منك وكل دعوة .. لم نرفض لك يوما طلبا ولكنك وللأسف لم نسمعك تطلبين منا شيئا أساسا .. نعم أوصانا ربنا بالوالدين وبالأم خاصة حتى وإن كانت كافرة ولكن ماذا أفعل لو كانت هذه الأم لا تعلم عنا شيئا .. فدائما يا أمي الحنون أسمعك تقولين لأبي وترددين عبارة : " هؤلاء أطفالك أنت وليسوا أطفالي " وكأنك ترفضين أنتسابنا لك بل كنت ومازلت تقتليننا في اليوم ألف مرة ، أتعلمين يا أمي كم مرة فكرت في الإنتحار ، وكم مرة فكرت في ترك المنزل الذي أفقتقد فيه كل شيء على الرغم من كبره .. نعم أعلم أنك أنت سبب وجودي بعد الله تعالى ، ولكنك ما زلت تعيشين في شبح الماضي لدرجة أنك نسيت واجبك تجاه أبنائك أيتها الغالية .. ربما تقرأين رسالتي أولا وربما تقولين عني أنني ناكر للجميل ، ولكنني لست يا أمي ممن ينكرون فضل أبائهم وأتمنى أن تعرفي يا أمي حقوقنا عليك ) ..قرأت نورة هذه الرسالة وهي لم تقرأ رسائل منذ أن كان عمرها ثماني عشرة سنة ، ولكن المهم أن قرأتها وكانت النتيجة أروع من رائعة .. فقد عقدت العزم بعد توكلها على الله أن تغير حياتها إلى الأحسن والأفضل وأن تهتم بابنائها وزوجها وبيتها ... نعم استطاعت بقوة الإرادة والعزيمة التي لديها أن تغير مجرى حياتها للأفضل فاستطاعت أن تبتعد عن الأدوية والمهدئات التي كانت تتناولها ، فاستطاعت أن تصبح شخص آخر .. لدرجة أن الكوابيس والأحلام التي كانت تراها قد تحولت إلى أحلام فاستطاعت بفضل الله وقوة الإرادة ووقوف الأهل حولها أن تتماثل للشفاء .. فإذا بها ولأول مرة تضم أطفالها السبعة وتحتضنهم وتضمهم إلى صدرها والدموع تذرف من عينيها مع ذلك فهي لأول مرة تشعر بالراحة والطمئنينة والهدوء ، أما الزوج فلا استطيع أن أصف لكم شعوره عندما لا حظ هذه التغيرات وكأنه ولأول مرة يرى فيها نورة ...نعم مجرد حادث أثر فيها ، وكذلك مجرد رسالة أثرت فيها وغيرتها من الأسواء إلى الأحسن ولكن هذه الرسالة مازالت نورة تحتفظ بها إلى الآن لأنها السبب بعد الله في علاجها من الحالة التي وصلت إليها ... وأخيرا أيقنت نورة بان الحياة الدنيا لن تدوم لأحد ولكن الإيمان بالقضاء والقدر والصبر هو سبب سعادتها في الدنيا والآخرة ... نعم تغيرت نورة للأفضل ، فلا أحد يستطيع تغيير هذا الإنسان إذا هو لم يتغير من الداخل ... فأصبحت تذكر أطفالها ومن حولها بأن لا حياة بدون صبر وتحمل للمصائب ، وتذكرهم دائما بقوله تعالى : " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " ..طبعا هذه إحدى القصص التي كتبتها كواجب لمادة علم النفس عن الإيمان بالقضاء والقدر ،، أتمنى تنال أعجابكم ... منقولة من دفتري ..
أكثر...